في صبحِ الرابعِ من شهرِ
حزيرانٍ
عامَ الواحد والخمسينْ
من منتصف القرنِ
العشرينْ
فوق ذراعٍ جبليٍّ يمتدُّ
كنمْرٍ أسطوريّْ
كان أبي يجمعُ حطباً
مع أمي الحُبلى بي
صاحت أمي وهي تزُمُّ الحزمةَ
فوق الرأسْ :
جاء مخاضي
جاء ... مَ .. خا .. ضي
رقص أبي
نتشَ الشّباّبة من جيب
القمبازِ وعزف \" الدلعونا \"
واتخذت أمي جذعَ الزيتونةِ
متّكأً وابتهلتْ للربّ بأن
يرزقها بولدْ
احتدَّ الطّلْقُ احْتدَّ .. احْتَدّْ
صرختْ من قاع القلبِ
فكان المولودُ أنا
صاح أبي :
بُشْرى يا عائشتي
ولدي ليس ككلّ الأولادْ
هُوَ ذا مبتسمٌ كفمِ
الينبوعْ
حنطيُّ اللونِ وكنعانيُّ
السيماءْ
وشفافيٌّ كَيَسوعْ
يطلع نورٌ من عينيهِ
ويغسلني
كم يشبهُني !
يشبه دمعة وطني
نقز أبي كحصانٍ أرعنْ
قبَّلَ أمي بين العينينِ
وشرقَ الخدِّ
وغربَ الرقبةْ
صَحّاها .. مالَ عليَّ
وقطع الحبلَ السُّريَّ
بشِبْريَّتهِ
قمّطني بالكوفيةِ
وبضحكتِهِ
وتلا في أذنيَّ الشِّعْرَ
وموال عتابا
ضحكت أمي
ضحكتْ .. ضحكتْ حتى كاد
الجبل يهيلْ
فرك أبي حبّةَ زيتونٍ
تحت لساني
قلتُ له : لا تقلقْ ..
لا تقلقْ
إني من نسْلِ عميدِ الجنّ
الأزرقْ
هو يطعمني ويربّيني
خافت أمي
صرختْ
ورأيت أبي ينظر للأُفْقِ
كطيرٍ أعمى
عادت أمي للخيمةِ تحملني
وأبي يحملها
وعميد الجن معاً يحملنا
اجتمع السّحرةُ واتفقوا أني
إنْ خلاّني اللهُ فسوفَ أُعوّضُ
أمي عن دمع الحلم المسروقْ
سوف أُعَقْلِنُ هذ العالمَ
بالشِّعْرِ
وسوف أكونُ العرّافَ الدَّهْريْ
انْفضَّ السَّحرَةُ وعميدُ الجنِّ
وقامت أمي تدهنني بعصيرِ
العنبِ الجبليّْ
حتى نمتُ ونامتْ
حين صَحَوْتُ سمعتُ أبي
ذَرْذَرَ في أُذُنَيْ أمي همساً
مهروساً جداً قال :
يا عيوشْ
نحن طيورٌ لا أعشاشَ لها
لا ريشْ
والصيادون كثيرونْ
ظاهِرُهُمْ إنْسِيّونَ
وباطنُهم غيلانٌ ووحوشْ
نحن من الريحِ خُلِقْنا
وسنحيا بين أيادي الريحِ
ونُدْفَنُ في بطن الريحْ
ماذا نفعل للولد لكي يحيا ؟!
لا بُدَّ إذنْ أن أستدعي الحاجَّةَ
( وطفاءْ )
فهي العارفةُ بأخلاقِ الجنِّ
القادرةُ على أن تُلْقي الجبلَ
على الجبلِ الكاهنةُ بأحزانِ
الفقراءْ
الحاجّةُ وطفاءُ
امرأةٌ عيناها تقدح بشرارْ
ورؤوسُ أصابعِ يدها
حَلَزونٌ ومحارْ
جُبَّتُها خيمهْ
نظرتها غيمةْ
وتملْمُلُها إعصارْ
علّقتِ الخرزَ الأحمرَ في كتفي
ربطتْ ريشةَ صقرٍ في كفيّ
وبخورُ الموقدِ يتخلل تحتَ
الجبّةِ يتهّجى أسرار النارْ
حملتني ثم رَقَتْني :
{ بركوشُ وزادوشُ
وجركوشْ
أوصيكم أن تحموا هذا الولدَ
سليلَ أبوّتكمْ
لا تغفل أعينكم عنه وإلا
أحرقتُ أوائلكم وتواليكم
حلّفْتُكَ يا بركوشُ
بأن تُلْهِمَهُ الشِّعْرَ وحدْسَ
النارِ
وأسبابَ الماءْ
حَلَّفْتُكَ يا زادوشُ بألاّ
يأمنَ لامرأةٍ إلا \" مانا \"
مانا لو وضعتْ إصبَعها في السّمِّ
لصار السّمُّ حليبا ...
مانا فاكهةُ الجنةِ
وحفيدةُ جبرائيلْ
مانا أيقونةُ بَرَدى
وحمامةُ مكةَ
وإنانا دجلةَ
وسدومُ الأردُنِّ
ومريامُ القدسِ
وأرزةُ بيروتٍ
وتميمةُ قِرْطاجٍ
مانا قربانُ النيلْ
حَلَّفْتُك يا جركوشُ
بأن تجعله ولداً حقّانِيّا
يترانى بِهَيولاهُ وحيدا
فنانَ حياةٍ عشبيَّ القلبِ
وبريَّ الروحِ
وورديَّ النفسِ
وكونيَّ الرؤيا
وَلَداً بَدْئيّا
فوضْتُّكَ يا ربَّ الأربابِ
بأنْ تبقيهِ غريباً فِطْرانِيَّا
كهواءٍ مبحوحْ
علِّمْهُ بألاّ يتكهَّفَ إلا
كينونَتَهُ
وبألا يدخلَ من بابٍ
مفتوحْ }
في اليوم الثاني
فاقت أمي
ما وجدتني
قيلَ لها : إن سحابةَ صيفٍ
عبرتْ من ثقب الخيمةِ ليلاً
كي ترضِعَهُ
مصّتْ إصَبَعَهُ
فدعاها أن تأخُذَهُ
معها
ويخبئَها مَعَهُ
هامتْ أمي بين ضلوعِ
الوديانِ وبين ضواحي الدمعِ
تفتّشُ عَني
صعدتْ أنفَ الجبلِ
وركبتْ فوق جناح النّسرِ
وطافت تسأل كل سحابةِ صيفٍ
عن ولدٍ جنّيٍّ من برج الجوزاءْ
قامَتُهُ حرفٌ عربيٌّ
ما بين رنينِ الألفِ
وتسبيح الياءْ
ولدٌ خجلٌ كطيورِ البحرِ
وملتبسٌ كمصبّ النهرِ
جميلٌ كذنوب الشعراءْ
لكني .. لكني عدتُ لئلا
تعمى أمي
فوجدتُ أبي يعزف بالشبّابةِ
ألحاناً لنساء الجانْ
ويدور حواليهِ كذيل الأفعى
المقطوعْ
كانت أمي أيضاً ترقصُ
رقصة شاةٍ ذُبحتْ بالسكين
الثَّلْمى
والحاجَّةُ وطفاءُ تدقُّ على
صنجٍ تنكيٍّ صاخِبْ
وتدكُّ الأرضَ برجليها
الحافيتينِ المتشققتينِ
كأسنان المنجلْ
وبعينيها يتحفزُّ نجمٌ ثاقبْ
الخيمةُ صارت كهفاً مزدحماً
بطيورٍ غامضةٍ وثلاثة أشباحٍ
بعيونٍ طوليةْ
تنفثُ أدخنةً حمراءَ تساقط ماءً أحمرْ
فتركتُ الحفلةَ منذئذٍ
ورجعتُ إليّ أفتش عني
فعثرتُ على بعضٍ مني
وجعلتُ اللوعةَ بيتي
والدمعة أهلي
مائي ريق الشوكةِ
وطعامي حبة ذرةٍ أسرقُها
من بيت النملِ
ولذا
ها أنَذَا
أتسلق جبل الوهم العالي
بغواية ظِلي
فأنا ابنُ امرأةٍ سمّوها المجنونةَ
أمَّ الولدِ المجنون السَّهْيانْ
وأنا ابن أبٍ لاهَمَّ له إلا عشقُ
نساء الجانْ
ماذا يفعل ولد بَرَّانيٌّ مثلي إلا أن
يهذي بالشِّعْرِ
ويرثي مغزى الإنسانْ .