إليهِ صديقا وخطاطا مبدعا
مَرْحَباً يا صَديقي
كلُّ حَرْفٍ وأنتَ بخيرٍ
تُرى أيَّ كُرَّاسَةٍ سوفَ تُهدي إليَّ
وأيَّ صالةَ عَرْضٍ
ستأخذُني مِنْ يَدَيَّ إليْها
وأيةَ لوحةَ خطٍ وزخرفةٍ
ستؤطِرُها وتقدمُها هِبَةٌ للمُحبينَ،
تَعرِفُ أَنيْ تضيعُ حُروفِيَ حِينَ أُحِبُ..
رأيتُكَ في كلِّ بيتٍ
وخانٍ قديمٍ
سطوحِ المآذنِ
في واجِهِاتِ المَحاريبِ
في لمعةِ المرمرِ الموصليِّ
وفي المَسْجِدِ الجامعِ
المُتحفِ
والسوقِ
والسورِ...
والآنَ
مَنْ عَرَفوا كيفَ يَبْرونَ أقلامَهمْ..
كَبِروا
الآنَ
مَنْ أَدركوا كيفَ مِنْ ماءِ وَرْدِ الرَّمادِ
وخيطِ ضِياءٍ،
وحبَّةَ صَبْرٍ،
تَصيرُ المَحابِرُ مَلأَى بحبرِ العُروبةِ
قَدْ كَبِروا،
يوسفُ، اليومَ تعذُرني
فلقد خانَنَي الوقتُ
وامتصّني الشعرُ
(شيّبني) الحزنُ
لَمْ أستطعْ رسمَ تلكَ الخُطوطِ
وَفّرتْ ظِباءُ الحروفِ
ولكنني قد تعلمتُ عشقَ الجمالِ
الذي ذاعَ مِنْ إصبعيكَ
ويا سيّدي
خلفَ بيتيَ مدرسةٌ
وتلاميذُ ينتظرونَ
ولا يعرفون طريقَ (النشاطِ)
فهل ثَمَّ مركَبةٌ ودليلٌ إليهمْ؟!
ويا سيدي
كُفَّ هذا التواضُعَ
واجْلِسْ عَلى مِقعَدِ الكبرِيَاءِ الجَميلِ
فهذي المدينةُ
أَيقظْتَها مِنْ سُبُاتِ القُرونِ
وأشعلَتْ في صَمْتِها أنجُمَ النَسْخِ
والرُقعةِ
الثُلُثِ
الجَّلِْيِ
والمَغربيِّ
خُطوطَ الدواوينِ
والسُنْبِليِّ.
.... أما زالَ وقتُكَ مثلَ سَحابِ الربيعِ
يضيعُ كما قُلتَ
وأنَّ السنينَ تفوتُ سِراعاً
وَتَمْضِي
فَهل ثَمَّ مِنْ ساحِلٍ لتنامَ قليلاً
وتُلقي إلى البحرِ جَمْرَ التعبْ.
إنَّهُ العمرُ يا صاحبي قَدْ تسربَ مثلَ مِياهِ الينابيعِ
لكنَّنا نزعُمُ الآنَ
أنَّ قليلاً مِنَ الوقْتِ
أمسَكَهُ قلبُنا
وأصابِعُنا
مِثلمَا تمسِكُ الريحُ وردَ اللهبِ.
قَدْ عَرَفْنَا الطريقَ
إلى بعضِ أسلافِنا
وإلى بعضِ أحفادِنا
مَنْ تُرى يقتني لوحةً مِنْ ذَهَبْ..
مَنْ يشاءُ مِنَ الناسِ
يَبْحَثُ عَنْ يوسفٍ في الصَّوامِعِ
في مكتباتِ البلادِ
وخلفَ رفوفِ الكتبِْ.
يوسُفُ، يتمشى رُويداً
بعيداً ـ قريباً
وينظرُ مُستغرِقاً في تُرابِ العُصورِ
وحيطانِ تلكَ القُصورِ
يُنقِّبُ،
يفحَصُ،
بينَ يديه ِ دواةٌ،
وجلدُ غَزالٍ
وخارطةٌ لكنوزِ التواريخِ
لكنَّ ثروتَهُ
ريشةٌ مِنْ قَصَبْ. |