غروب الوطن
عند غروب قرن وشروق آخر
غروب الوطن
ينزلقُ من ذاكرتي
فتتشبّث ملامحهُ بأهدابها
لونهُ الحائلُ..
لوحةٌ في جدار متحف
أو طلاءُ بيت عتيق
شاخَ أضعافَ ما شختُ
هل رأيتم وطناً يتوكّأ على عكازةٍ؟!
ذلك هو العراق!
وهذي الشمسُ العراقيةُ الناحلةُ
تُديرُ نحوَ الغروب وجهها
يُخالجها التوجّسُ أنّها قد لا تعودُ غداةَ غد
لكنّ عيونَ العراقيينَ تحاولُ كلّ غروبٍ
أن تكذّب الإشاعةَ
أنّ هذا الغروبَ هو الأخير!
***
غروب الأهل
وفجأةً في سماء القلبِ يُومضُ
وجهُ أخي..
وفجأة في الأفق المائيّ البعيد
يلوحُ لي وجهُ أمّي
وفجأة..
وأنا أحاولُ أن ألملمَ دهشتي
تغيمُ سماءُ القلب
ويربدُّ الأفقُ المائي
تلفّتُ وأنا أفيقُ من سكرةِ الحلم
لا شيء عن يميني
لا شيء عن شمالي!!
***
غروب الأصدقاء
ينطفئون كما نجوم الليل في آخره
نجمةً فنجمة
أحالوا أفقي موحشاً من أقماره
وتركوني كـ (ثُريّا) عاطلة
كابياً بدونهم بدوتُ
بكيتُ أكثرهم
حننتُ لبعضهم
كاتبتُ بعضهم فلم يكاتبني
وكاتبني البعضُ مرةً
ثم تلاشى في بحيرةِ الغروب
قلت لنفسي ذاتَ صراحةٍ
هل ستكونين مثلهم
إذا غربت يوما ما؟!
فتبسّمت ضاحكةً من قولي
عتبتَ أم لم تعتب
هي ذي آجالُهم
وذي مساحة الغروب
آخذةٌ بالاتساع
***
غروب الأئمة
أيقظتنا من سنة الكرى
يدُ الصدر الأول حانيةً
لنقيمَ صلاةَ الفجرِ جماعةً
ثم نحملُ فؤوسنا
إلى الغابة المغزوّة بالأدغال
ومن مدى حقولِ الصحو
جاءنا (روحُ اللّه) يحملُ قرآنه
ليهبنا في ليلنا الأعمى عيوناً أخرى
وبينا نحن عائدون تنطفُ فؤوسنا
من دماء الأشجار الغريبة
ألقى علينا الليلُ عباءته ليُجهض أحلامَنا
فانبثقتْ قامتُك المجلّلة بالأكفان
لتخلعَ على الموت معنى الحياة
انداح صوتُك فينا كوحي
نفختَ في قاماتنا
روحَ الجمعة الكبرى.
هذا صوتُ المؤذّن يأتي جريحاً
ينعي غروبَ الأئمةِ
من سيوقظنا لصلاة الفجرِ غداً؟!
لنحمل فؤوسنا مرّة أخرى
فهناك في الغابةِ
أشجارٌ غريبةٌ أخرى تنمو
***
العمر الغارب
ليس فقط المرآةُ من أخبرني بذلك
طفليَ الذي يلهو بشعري وبلحيتي
وامرأتي المستسلمةُ
للملح يطفوُ هنا وهناك
همّتي التي كانت تجنحُ بي
أن نرودَ الآفاقَ غير المستكشفة من قبل
استكانت..
والوهنُ ينتقل من الدبيب إلى العدوِ
وإحساسٌ يتنامى
أنّ النهايةَ قريبةٌ
وشمعةُ العمرِ
سال أكثرها
وذي صفحاتُ كتابي تلاحقت
متى أتوقفُ عن الصدور
ومن سيقرأ صفحتيَ الأخيرة
على لوحةِ إعلاناتِ الموتى الغرباء!!
***
الأمنيات الغاربة
انتظرتُها طويلا
ولم تأت
سحابُة الحلم.. مطراً أو قطرات
بطاقةُ اليانصيب تُخطئني أرقامُها الدائرة
ورسائُل المغتربين تنتظرُ الإرسالَ المجانيّ
وأطيافُ العراق المغرقةُ في البعدِ
والوعدُ الأميركيُّ للمعارضة العراقيةِ
ونيسانُ الذي
لم يخطر ببال حديقتنا
منذ ثلاثين خريفاً
والقريةُ التي كانت حاضرةَ النهرِ
تحملْ مع كلّ غروبٍ
رائحةَ الغرينِ
والشياهَ المتعبةَ
وزهوَ الطلعِ
ودخانَ التنانير القصيّةِ
يتغشّاني رحيقُ خبزِها
فيستافهُ جوعي ارتعاشا
على ضفة النهرِ الأخرى
انتظرتُها طويلا..
هل تحتاجُ إلى قرنٍ آخر!