ـ 1 ـ
تعبتُ من التراب
معلقاً في دفتري
فَجَبَلْتُه مدناً
تناديني.
دخلتُ إلى شوارعها
أفتّشُ عن أصيحابي
لعلَّ بقيةً منهم
على الشرفات تعرفني
وتصرخُ : صاحبي !
فأجيبُها
بهتاف أوردتي
وما فيها من الأشواق
يضنيني
وأسألُها
وتسألني
لساعاتٍ
فقد طال الفراق
ودار \" ميّة \" لا تواسيني .
ـ 2 ـ
هنا \" حلب \" التي كانت قصيدتها
تسامرُ أضلعي
وتفرُّ ساحبةً عباءتها
وتغويني
إلى \" كافور \" أتبعها
وكم قادت خطايَ شريدةً
والليل يبلعني بظلمته
ويبعدني
بما ملكت يداه
وسيف سطوته
من الحمى ويكويني .
ـ 3 ـ
هنا \" عدن \" التي وعدت يديَّ
بلوزها وبتينها
ومضتْ
تفسِّرُ في صراخ البحر
أصداف المحيط
وما تخبئ من مواجدَ
في خفاياها
تركتُ وعودَها
ورجعتُ لا لوزي
ولا تيني .
ـ 4 ـ
هنا \" بيروت \" تفرحُ بالكلام
كدُميةِ الأطفال ترقصهُ
وتشعلُ في ترانيم الصباح
بَخُورَ ضحكتها
وترسلُ في صنوبرها
مواكبَ منْ أمانيها
على سينٍ من التسويف
تملأ كرمتي عنباً
بأعراس القطاف
تغارُ \" زحلة \" من عناقيدي
ومن عنبٍ
تدلّى في أناشيدي
قطعتُ مفاوز البلدان
أتلوها
عرائسَ في مفاتنها
فمن سُمرٍ ومن غيد
حصاني في جرود العمر
من قصبٍ
وكاسي في ليالي العشق
من سيني
ـ 5 ـ
عبرتُ مفارق الساحات
والأعلام خافقة
تلوِّن ما تبوحُ به
أناشيدي
من المدن التي داريت
في أحيائها فرحي
وأسراري
ويا ربي
على أبوابها
طال انتظاري
والمنافي في فمي
أنشودةٌ من علقمٍ جار
نزيفٌ خافقي
يروي مداخلها
وقد غابتْ طويلاً
في صحاريها
حروفُ قصائدي
تهذي بأحمالي
لسمَّاري
وأرشيفٌ من الحبر الرجيم
يخرِّب الأحلام في لغتي
فتتركني القوافل صارخاً في البئر
أحفر صخره العاتي
بأظفاري
وأكتبُ في دفاتره
حكايةَ إخوتي اللاهين عن غضبي
أعدُّ جدودَ أصحابي
وإعثاري
فصخر البئر مجروح
بآثاري
وقاع البئر يلويني
ويملأ كأسه
من شدةٍ تقسو ومن لين .
ـ 6 ـ
على الجدران مرسومٌ
غنى نفسي وإكثاري
ظلالُ أحبَّتي سكني
رميتُ على مواكبهم
رياحيني
وأيدي الحزن تسحبني
إلى قاعٍ من العتم السحيق
فلا أرى بشرى
تطلُّ على انفرادي
من أغاني النور
أو من كوكبٍ سار
أضلُّ ولا أرى نجماً
يهلُّ بظلمتي وعداً
ويهديني
ـ 7 ـ
أضيعُ
على حديدٍ من قطار الدهر
في نُوبٍ وأطوار
فمن مدنٍ إلى مدن
ومن أهلٍ إلى أهل
ومن جارٍ إلى جار
أباعدُ خطوتي
وكنوزُ \" ذي يزن \"
تناديني
ـ 8 ـ
سحبتُ خطاي مخذولاً
صحارى رحلتي
تلهو بأقداري
ويتعبُ خافقي
ظمئي إلى \"العاصي \"
وأغنيةِ \"النواعير\" التي أنَّت
تباركُني
وفي بعدي تناجيني
وتطبعُ في جبيني
قبلةً من صوتها العاري
\" أبو متري \"(1) يحاورُها
يظنُّ حديث دورتها
ظنوناً من عزيف الجن
توقفُهُ على الطاحون
تسألُه معابثةً
برجع رذاذها
وتحرُّش اللاهي
وفنِّ العارف الداري
صداها ما يزالُ بخاطري
نجوى
أداريها بأوهامي
وما عزفتْ من الألحان
أوتاري
أهدهدُ في أسرَّتها
خبايا الحزن
من حين إلى حين .
ـ 9 ـ
لكل مدينةٍ
أمواجُ فتنتها
ولي بحري وأشعاري
ستضربُ في الرياح سفينتي
ما بين تيارٍ وتيار
أشدُّ شراع أسفاري
إلى بيروت أو عدن
فهذي الأرض
من طيني،
وأخباري
\" بثينة \" أهلها أهلي
و \" ليلى \" صوت أفكاري
و\" خولة \" في نشيدي فتنةٌ
وأميرةٌ وفَّت بما وعدتْ
و \" عبلة \" دارها داري
صباح الخير يا مدناً
تخبِّئ في صناديق الهوى وعدي
منارتها
تُطمئنُ ما تبقَّى
من ظلام مخاوفي
تسري هواها
جارح الأنغام
في شعري وتلحيني ،
وتطلقني بشيراً داوياً
صوتي من الغار المخبَّأ في شوارعها
ومن جمرٍ ومن نار .
على أبوابها البحرية ارتفعتْ
نياشيني .
((
هامش :
(1) عاش \" أبو متري \" الحلبي في حي الشيخ عنبر بحماة قبل أربعين عاماً ، وكان يكتب \" الموال \" ويعمل في حياكة النول، وعندما يجتاز ساحة \"العاصي \" ليسلم ما ينسجه يتوقف عند ناعورة \" الجسرية \" متوهماً أنها تتحرش به برذاذ دورتها ، فيكلمها وتكلمه ، كتب عنه الباحثان \" إحسان هندي \" و \" وليد قنباز \" .
(
شرفات الأميرة ذات الهمة
-1-
غافلاً عن خبايا زماني
رميت شباكاً لوهمي
فعادت بصيد وفير
وعجت على دارها
مطمئنّا
تهدهدني في وئامْ.
-2-
كم أضاءت قناديلها
وحشة الليل ..
طاغية في مجاهلها
هوذا عندليب المساء
يهجّي رباب قصائده
في شواطئ سمّارها
حارساً كوكباً من مباهجها
كم دعاني ولوعاً
بأنوارها
كلما دفعت مركبي
رقّة في يديها
رميت عليها السلام ْ.
-3 -
مثقلاً بغياب أحاديثها
جاهرا بحنيني إليها
وشوقي لأخبارها
كنت أحسب عمري
على لوحة من بقايا
جرائد مهجورةٍ
وأرتب مائدةً
لاقتناص مفاتنها
حين باغتني جندهم
حاملين التواء الزمان
كرقص الأفاعي
سيوفاً حديداً
\"بهن فلول\" تغير على ورقي
وأنا صورتي من كلامْ .
-4 -
ليتني حطب يابس
تختفي النار تحت قميصي
إلى حين ميسرةٍ
بلهيب سريرتها
ومفاتن أوزارها
فيمرّ الوشاة سراعاً
ولا يسألون المعاني
انكشافاً
ولا يحتفون طويلاً
بتفسيرها
راجمين بأحجارهم
ما تبرعم من زهر لوزٍ
على غصن أسرارها
لاعنين بأطمارهم
ما تكشّف من شفقٍ
في قباب الغمامْ .